أتكئ على جدار بالكهف، وقد تصبب عرقاً. أحس بالدوار يهاجمه ، ما لبث أن غاب عن الوعي . بدأت أشعة الشمس تزحف بداخل الكهف ، حتى وصلت لجسده ، وغمرته ، ولسعته بلهيبها ، حينها أستيقظ ، كان يشعر بأن عظامه كلها قد تكسرت .
أخرج من حقيبة أدواته بماسك حديدي له طرفين أدخله بالشق ، وأخرج القطعة الحجرية ، بها كتابة باللغة المصرية القديمة ، وبعض الرسومات ، كأنها أُحجية..
سيراً على الأقدام قد نرى الشمس ، وقد أكلها النيل ، تحاول أن تصرخ ، لكنّ الدماء تُغرقها ، وتُغرق الكون ، حينما يندمج الظل بالجسد يخرج النور الكاشف لضلالة البصيرة .
(( 5 ))
بدأ الجميع يتبع الدكتور أحمد في رحلة البحث عن طريق الخروج، كان يعطيهم القليل من المعلومات؛ لأنه يعلم أن هذه المعلومات هي من تبقيه حياً، لولاها لفتك به سكان هذا العالم . ها هو يواجه سحره، كل شيء صنعه بتلك العصا لحماية طريق الخروج؛ حتى لا يصل إليها أحد غيره، العصا اختفت..أين يا تُرى ذهبت ؟! لم يحدث هذا من قبل .
ذهبوا إلى شجرة عملاقة، كان الدكتور أحمد قد نسخ الخريطة الموضح بها مكان طريق الخروج على جذعها العملاق . ألتقط أحد الأوراق واخذ ينقل الخريطة عليها ، كان محترفاً ، يرسم بدقة ، غير أن آن لم يسترح للأمر ، همس لعمر : قلبي منقبض . بالتأكيد سيخدعنا .
قال له عمر : ليس هناك لنا أمل سواه ، لن نخسر شيئاً إن تبعناه .
أشار الدكتور أحمد إلى اتجاه الغابة، حيث الأشجار العملاقة، ووحوشها الضارية. نظر آن إلى الغابة بهلع ، وصاح به :
_ أتريدنا أن نذهب إلى هناك ؟! لابد أنك مجنون .
ونظر إلى عمر قائلاً: هناك حيث ترعى الوحوش، لن تعلم من أي مكانٍ ستأتيك، حيث البحيرات المتجمدة، حيث أشباح القتلة والمجرمين. هذه الغابة ملعونة .
نظر إليه الدكتور أحمد مبتسماً :
_ علينا اجتياز الغابة ثم ذلك الوادي خلفها؛ حتى نصل إلى منفذ الخروج.
أستل عمر سيفه، أما آن فقد أمسك بقلادته، وقبّلها، وتمتم في سره: ساعدني يا جدي. تشبثت وفاء بذراع عمر وهمست في أذنه: عمر أني خائفة.
_ وأنا أيضاً خائف بشدة، لكن يجب علينا المغامرة؛ فلا سبيل لنا سواها.
المشهد كان خلاباً، الأشجار عالية، شديدة الخضرة، شلالات في كل مكان، الأزهار والورود بجميع الألوان، كل هذا رسم لوحة بديعة.
كان الجميع يسير بحذر شديد، آن كان أشدهم خوفاً وحذراً، كأنه يُساق إلى حتفه.
قالت وفاء لعمر هامسة في أذنه :
_ يا له من مكانٍ جميل، لا أرى ما يدعونا للخوف.
_ انتظري. هل تسمعي ؟!
سمع الجميع صوت صرخات مكتومة وتأوهات منبعثة من كل مكان، كأن الأرض تصرخ ألماً. ضغط كل واحد على سلاحه.
فجأة وجدوا أمامهم خمسة رجال. تراجع الجميع ، ما لبس هؤلاء الرجال أن تحولوا إلى ما يشبه الزجاج..وقف الجميع مشدوهين ، صاحت وفاء : ما هذا ؟!
في لحظاتٍ تكسر الرجال وأصبحوا مجرد شظايا زجاجية تتطاير في الهواء. أشار عليهم آن بالرجوع للخلف . هاجمتهم الشظايا المتناثرة من كل مكان ، مزقت رجلين ، ورجلاً آخراً ، كانت تهاجمهم بشراسة..ما تلبث أن تعود إلى صورة الرجال مرة أخرى..ومن ثم تعاود الكرة . لقي الكثير من الرجال مصرعهم ، خُدش الدكتور أحمد علوان في ذراعه الأيمن ، أُصيب آن في كتفه الأيمن بعد أن أخذ شظية بدلاً عن وفاء . تفادى عمر شظية كادت أن تصيبه في رأسه في اللحظة الأخيرة . لم يستطيعوا مواجهة الرجال الزجاجيين. صاحت وفاء :
_ أنهم يعودون إلى هيئة الرجال بعد مدة ثابتة .
كانت قد لاحظت ذلك، ثم أخذت تعد في سرها، وعندما وصلت لرقم خمسين، تجمعت الشظايا لتشكل هيئة الرجال مرة أخرى..قالت لعمر :
_ لو أننا منعنا هذه الشظايا من التجمع في الوقت المناسب سنقضي عليهم .
أشار عمر لآن بأن يستعد ، وأمر الدكتور علوان الرجال الكهربائيين الذي اصطحبوهم بأن يستعدوا . كانت وفاء تقوم بالعد ، أشارت لهم بأن الوقت قد حان..بالفعل كانت الشظايا تعود لتتشكل ، قام عمر بوضع سيفه وسط الشظايا ، وقام آن بإلقاء درعه على مجموعة من الشظايا ، وقام رجل كهربائي بتصويب شحنة كهربائية..وأستطاع اثنان من الرجال الزجاجيين التجمع ، ليبدءا الهجوم بشراسة ، ورغبة ثأرية ، كان هدفهم هذه المرة وفاء ، أخذت تهرب خلف الأشجار ، فتبعها الرجلان ، طرحها عمر أرضاً قبل أن تصاب بشظية في ظهرها ، لقد حان الوقت مرة أخري حينها قام آن بإلقاء حجراً ضخماً على أحد التجمعات ، وقام أحد الرجال الأقوياء بحمل جذع شجرة صغيرة وألقاه على التجمع الآخر . تنفس الجميع الصعداء.
قال عمر لوفاء :
_ حمداً لله على سلامتك ، لقد خفت عليكِ كثيراً .
_ شكراً لك يا عمر. الحمد لله لقد قضينا عليهم .
كان الظلام قد بدأ يزحف ، وأنين الأرض يزداد ليخيف أشجع الرجال ، تحول المكان إلى مكانٍ موحش ، مخيف ، كان آن وعمر ووفاء يسيرون بجوارهم الدكتور علوان وما تبقى من الرجال الذين اصطحبوهم .
ظهر أمامهم وحشٌ عملاق ، كان وحشاً فخارياً ، ذراعه الأيمن على هيئة مقصات عملاقة مثل سرطان البحر ، أما الذراع الأيسر فهو يشبه لحدٍ بعيد ذراع الإنسان . وضع قدمه بداخل البحيرة سرعان ما بدأ جسده يتحول إلى جسد لحمي تراجع الجميع، اختفى الدكتور أحمد خلف صخرة عملاقة، أستل عمر سيفه.
تواري الدكتور أحمد خلف الأشجار، لم يكن خائفاً، لكن ليجعلهم يواجهون ذلك الوحش الفخاري بمفردهم، ويتم الخلاص منهم .
كان الوحش يزمجر بصوتِ عالٍ ، يزلزل القلوب . أمسك عمر بيد وفاء ، تحركت المشاعر والأحاسيس بينهما ، كأن أيديهم أصبحت أثيراً للمشاعر والأحاسيس . أحس الجميع بالخوف . همس عمر في أذن وفاء : أبتعدي قليلاً . لكنها كانت عنيدة ، قالت له : سأبقى معكم حتى النهاية .
بدأ الرجال الكهربائيين في إطلاق شحناتهم على جسم الوحش الفخاري. أخذ الوحش يزمجر أكثر ، كل منطقة في جسده تصاب بشحنة كهربائية ، تموت وتعود لطبيعتها الفخارية ، فيسرع لتلامس قدمه المياه ، فتختفي تلك البقع ، و تعود لحماً مرة أخرى . كثرت الشحنات ، فكثرت البقع الفخارية في هذا الجسد اللحمي العملاق .
كانت وفاء تنظر مندهشة، صاح عمر: إنه يستمد حياته من المياه.
كان آن يتحرك بسرعة فائقة ، هنا وهناك . وصل إلى قدم الوحش العملاق ، أخذ يضربه ، فركله الوحش بقدمه . طار آن وهو يصرخ من الوجع، ضلوعه كأنها قد تكسرت . صرخ عمر، ووفاء: آن ! أسرعا إليه ، نظر لهما مبتسماً : لا تخافا عليّ . هذا الوحش أغضبني .
وقف مرة أخرى متحدياً . مايزال الرجال الكهربائيين يمطرون الوحش بشحناتهم الكهربائية . البقع تزيد. كان ذراع الوحش الأيسر أسود كالفحم ، فجأة أخذ لونه يتغير إلى اللون الأحمر ، ومن ثم أشتعل . أخذ يطلق شعلات دائرية من النيران ، تحرق كل شيء في طريقها . أصابهم الحر الشديد .
عاد آن مرة أخرى أسفل الوحش ، لكن هذه المرة أمسك به الوحش بمقصه العملاق . ساعتها أسرع عمر للرجال الكهربائيين قائلاً لهم : لا تطلقوا شحناتكم الكهربائية ، فهي ستنتقل لجسد آن أيضاً .
أسرع عمر بسيفه ، وأخذ يطعن الوحش في قدمه ، حتى أسقط آن ، أسرعت وفاء ، وألقت بكومةٍ من القش مكان سقوطه . أُصيب آن بالرعب ، وأخذ يبحث بنظره عن الدكتور أحمد بعد أن تأكدت شكوكه ؛ فها هو قد أوصلهم لحتفهم . أطلق الوحش على عمر نيرانه ، حاول أن يتفاداها ، لكنه شعر باللهيب في كل جزءٍ بجسده ، صرخ صرخةٍ مدوية : آه ، آه . تمزقت وفاء لصرخته ، أحست أن روحها قد قُبضت .
كانت عيون الوحش حزينة ، وكأنه إنسان يبكي ، عيونه حمراء دامية ، سقطت دموعه على هيئة فقاعات شفافة ، اتجهت إلى وفاء ، و آن ، وإلى كل الرجال الكهربائيين ، حبس كل واحدٍ منهم بداخل فقاعة .
* * *
صرخ الجسد الراقد على الفراش، أحمر وجهه ، وكأنه بجانب نيرانٌ قاتلة . أعطاه الطبيب خافضاً للحرارة ، و أشار على والدته بعمل كمادات له ؛ لتخفف عنه هذه الحرارة الداخلية . فعلت الأم المسكينة كل ما طلبه منها الطبيب.
* * *
صرخت وفاء صرخة دوت لها أرجاء المكان ، وهي ترى عمر يسقط وجسمه يرتعد من أثر الحرارة الشديدة ، لكن سرعان ما هدأ جسده كأن هناك قوى خارجية تترفق به ، وتعالجه .
أفاق عمر من غيبوبته ، وجد وفاء ، وآن محبوسان بداخل الفقاقيع الشفافة ، شعر أن كل شيء ضاع في لحظة ، حاول أن يقوم ، لكن كل قوى اليأس والإحباط تجمعت عليه ، كل قواه قد خارت .
فجأة سمع صوتاً من أعل


























