(( 1 ))
وسط حلبة المبارزة ، وقف الفارسان بعد إشارة الحكم معلناً فوز أحدهما ، ورفع يده إلى أعلى ، حيث علا التصفيق من قِبَل الجمهور المحتشد ؛ لرؤية نهائي كأس مصر في رياضة المبارزة .
قفز الفارس المنتصر من الفرح ، وأنتزع خوذته من فوق رأسه ، وأتجه إلى أحد الجماهير ، وهو يقول : لقد فعلتها يا عماه .
رد عليه الرجل : لقد نلتها يا عمر عن جدارة . إني أدعوك اليوم لحضور حفل بمنزلي بهذه المناسبة .
في طريق العودة قال له الرجل : لقد كان أباك صديق لي منذ صباي ، ولو أنه موجود الآن لفرح أشد الفرح من أجلك .
_ يا عم توفيق لقد مات أبي منذ كنت صغيراً ، لكنك حللت محله ، كنت لي الأب الحاني ، الذي يرعاني ، ويخاف عليّ .
_ أنت أبني ، ولا ينافس حبي لك سوى حبي لابنة أختي : وفاء .
كان توفيق علي رئيس مباحث أمن الجيزة ، عمره يناهز الخمسين عاماً ، تظهر عليه ملامح الكهولة .
أما عمر فكان شاباً قوي البنية ، وسيم الوجه ، بهي الطلعة ، يبعث في نفس من يراه البشر والسرور .
* * *
في ذات الأيام ، كان عمر في بيت عمه توفيق ، الذي بدا قلقاً متوتراً ، فسأله عمر :
_ ما بك يا عماه ؟!
_ لا شيء يا بني ، لكن هناك أمر بالعمل يحيرني كثيراً .
_ ما هذا الأمر يا عماه ؟!
_ هناك بعض الأمور التي تحدث ، ولا أجد لها تفسير ، لكن هناك شيئاً يربطها ببعضها ، وإن بدت تلك الأمور لا علاقة لها ببعضها البعض .
_ مثل ماذا يا عماه ؟!
_ لقد سُرق ثلاثة بنوك ، وفي كل مرة كان مدير البنك هو الجاني بإعترافه الشخصي ، لكن جميع الجناة ماتوا بعد ذلك الإعتراف مباشرةً ، والأمر الذي يحيرني أنهم جميعاً ماتوا طبيعياً بعد إصابتهم بنوع غريب من الغيبوبة ، وهذا ما يدعو للشك والريبة .
_ كل مجرم لابد أن يترك دليل قاطع على إدانته ، ولو بلغ من الحرص الكثير . فأبحث في جميع تلك القضايا ؛ حتى تصل إلى الحقيقة ، وأعانك الله على خدمة وطنك .
بعد أيام قليلة ذهب عمر إلى منزل عمه توفيق ؛ ليطمئن عليه ، لكنه فوجيء بأنه نائمٌ منذ يومين ، ولم يستيقظ ، وعندما حضر الطبيب أخبرهم بإنه في حالة طبيعية ، وأنه قد أصيب بنوعٍ غريب من الغيبوبة .
رجع عمر من منزل عمه توفيق منهاراً ، تكاد رأسه تنفجر من كثرة التساؤلات والحيرة ، دخل حجرة نومه ، وألقى بجسده على فراشه .
_ ما هذا ؟! أهو حُلم ، أم ماذا ؟!
لا يرى سوى الظلام ، يسير بلا هدى ، فجأه رأى أمامه حلقة كبيرة من الضوء ، شيء ما يدفعه لدخولها ، عندما خطى أولى الخطوات ، جُذب داخل الحلقة ، صرخ خائفاً ، وجد نفسه داخل عالم آخر .
_ أي عالمٌ هذا يا تُرى ؟!
(( 2 ))
دخلت والدة عمر حجرة نومه ؛ لتوقظه ليتناول طعامه ، لكنه لا يستيقظ . أهو ميت ؟! لا ؛ فالقلب مازال ينبض ، تُرى ماذا حدث له ؟! أسئلة كثيرة في عقلها تحاول أن تجيب عليها ، لكنها لا تستطيع .
أسرعت بإحضار الطبيب ، لم يطمئنها ، قال لها : إبنك من المفترض أن يكون في سباتٍ عميق ، ربما يكون هذا نوعٌ جديد من أمراض الغيبوبة . سنقوم بإعطاءه الغذاء عن طريق محاليل ، وستأتي ممرضة لتقوم برعايته ، وسيشفى بإذن الله تعالى .
* * *
ما هذا ؟! إنه يرى عمه وأشخاصاً آخرين . يرى شخصاً يعرفه جيداً : إنه عالم الآثار الشهير الدكتور أحمد علوان ، كان يوجه كلامه إلى عمه :
_ أنت من جنيت على نفسك بالتحقيق في تلك القضايا .
أمر رجاله بالهجوم على عمه ، وما هي سوى دقائق وكان ملقاً على الأرض جثة هامدة .
صاح عمر صيحة دوت لها أرجاء المكان : عماه !
* * *
علا الصراخ من بيت اللواء توفيق ، عندما دخلت عليه زوجته لتطمئن عليه ، لكنها وجدته لا يتنفس وقد وقف نبض قلبه .
* * *
_ من هذا ؟! أحضروه لي .
نفذ الرجال أمر الدكتور أحمد ، وكأنه أسرهم بقوة مغناطيسية حيث الطاعية العمياء ، وما هي إلا ساعات من العدو خلف عمر حتى أحضروه أمامه .
قال الدكتور موجهاً كلامه لعمر : من أنت ، و كيف جئت إلى هنا ؟! لقد جنيت على نفسك يا بُني .
لاحظ عمر بيمين الرجل عصا من الأبنوس مزخرفة بطريقة تشد الأنتباه . كان عمر يشعر بالفزع الشديد ، لكنه حاول امتلاك رباطة جأشه .
_ أسمي عمر . من أمرت بقتله منذ قليل هو عمي ، لكني لا أعرف ما الذي حدث لي ، هل أنا أحلُم ، أم ما أراه هو الحقيقة ؟! كل ما أتذكره أني كنت نائماً على فراشي .
_ إنك في عالمي الخاص أيها الفتى . أقتلوه .
هم الرجال بتنفيذ ما أمرهم به سيدهم ، لكنَّ عمر خطف من أحدهم سيفاً ، وأخذ يقاتل بكل ما أوتي من قوة ، كانت مهارته القتالية واضحة ، لكنَّ رجال الدكتور كانوا كثيراً ، حينها قرر الهرب بين الأشجار ، تبعه الرجال . أخيراً وجد جدول ماء صغير فقفز فيه ، خرج من الجانب الآخر ، كانت آثار التعب ظاهرة عليه : أنفاسه متقطعة ، وضع يده على الأرض محاولاً إلتقاط أنفاسه ، لكنه وجد ما روعه ، لم يرى يديه ، رأى آثار يديه وركبتيه على الرمال ، لكنه لم يراهما ، أصبح مختفياً عن الأنظار.
فجأة سمع صراخ فتاة تستغيث من خلفه ، عاد مسرعاً ؛ لينقذها . أخذ يسير بتؤدة ؛ حتى لا يلحظه أحد ، عندما وصل إلى الدكتور علوان رفع سيفه ، وهمَّ بضربه ، لكن السيف يقف ، لا يتحرك . ماذا حدث ؟! كأن هناك قوى تمنع السيف من النزول . بسرعة جذب الفتاة من أحد الرجال ، وهمس لها : أركضي بأقصى سرعة لديكِ . كان هو ساعتها يقاتل مختفياً ، استطاعا الهرب أخيراً .
بدأ جسمه يجف ، حينها بدأ يظهر رويداً رويداً . تعجبت الفتاة من كل ما يحدث ، أخبرها كيف جاء إلى هنا ، وكيف سقط في جدول الاختفاء . صاحت ساعتها :
_ أنت عمر . لقد حكى لي عمي توفيق الكثير والكثير عنك ، كان يحبك كثيراً ، أسمي وفاء ، ولقد حدث لي مثل ما حدث لك : كنت نائمة على فراشي ، وفجأة رأيت كأنه الحلم أني أسير في ظلام ، ورأيت حلقةً من النور فدخلتها ، فوجدت نفسي هنا .
كان عليهما أن يتعايشا مع الأمر ، أخذا في البحث عن الطعام ، أكلا من فاكهة الأشجار ، وعثرا على وعاء فملأه بالماء ، لكي يرويا ظمأهما عند وقت الحاجة .
ظهر أمامهما فجأة رجلٌ غريب الهيئة ، أخذ يستجمع قوته ، ظهر بقبضة يده كرة تشبه الصاعقة ، و أطلقها تجاه عمر ، لم يستطع عمر أن يتفاداها ، أُصيب وأخذ يترنح صائحاً لوفاء :
_ الماء..وعاء الماء . إنها شحنة كهربائية .
وسقط فاقداً للوعي .
(( 3 ))
في داخل حجرة نوم عمر جلست والدته تنظر إليه وقلبها يتمزق من هول ما أصابه . فجأة أخذ الجسم الهامد يرتعد ، كأنه أُصيب بماس كهربائي . أسرعت الممرضة التى أحست بقلة حيلتها بطلب الطبيب . قال الطبيب للأم الهلعة :
_ شيءٌ غريب ، إنه أُصيب بماس كهربائي . في بطنه أثر لحرق . إن ولدك تحدث له أشياء غريبة . سأضمد الجرح ، وليرعاه الله .
* * *
فهمت وفاء ما يقصده عمر ، فرمت وعاء الماء تجاه الرجل قبل أن يُطلق قذيفته الثانية . أخذ الرجل يرتعد ، كأنه يكهرب نفسه ، حينها أسرعت وفاء وأمسكت بفرع شجرة جاف ، وضربته بأقصى قوتها ، سرعان ما سقط صريعاً .
أفاق عمر من غيبوبته وهو يتألم ، شكر وفاء ؛ لإنقاذها حياته .
فجأة أختفت من أمامه كأنها سرابٌ ولى وذهب . صاح بأعلى صوته : وفاء..وفاء..أين ذهبتِ ؟!
لم يكن الوقت كافياً ليأخذ راحته ، أو ليحاول التفكير أين ذهبت . رأى عشرة رجال مقبلين تجاهه . أخذ السيف وهرب بين الأشجار .
كان هناك رجلاً بين الأشجار يتبعه ، هاهو يقترب منه ، ها هي الفرصة قد حانت ليقضي عليه ، رفع سيفه وهمَّ بقتله ، لكن هناك يداً حالت من نزول السيف ، في اللحظة ذاتها أنتبه عمر ، فطعن الرجل بسيفه ، ظهر صاحب اليد إنه فتى في الخامسة والعشرين من عمره ، يرتدي قلادة غريبة الهيئة . تصافحا . قال له عمر :
_ شكراً لإنقاذك حياتي .
كانت التساؤلات تكاد تفتك برأسه فسأله :
_ من أنت ؟! وأين نحن ؟!
_ أنا آن من سكان هذا العالم .
_ أنحن في عالم من العوالم الموازية ؟!
_ كلا ، إنه عالم الأرواح . لقد صنع السحرة للفرعون الأكبر عصا سحرية بها أسر العديد من المصريين الذين تمردوا على ظلمه وطغيانه وأتى بهم هنا ، وبعد ثلاثين يوما لا تستطيع الروح أن تعود لجسدها . من يمتلك العصا يسيطر على جميع الأرواح بقوة مجهولة ، لكنّ جدي صنع قلادة من يرتديها لا يتأثر بتلك القوة . أتى جدي إلى هنا مع الأسرى بتلك الطريقة التى جئت بها . أخذت الأرواح تتكاثر إلى أن كونت هذا العالم ، واختفت العصا بعدها ، وعاشت الأرواح هنيئة ، لكن هناك من عثر على العصا وأعاد عملها . ( وأشار إلى القلادة ) لقد ورثت عن جدي هذه القلادة ، التى تحميني .
_ عندنا في العالم المادي نموت بمفارقة الروح للجسد ، فكيف الموت عندكم ؟!
_













